اَللّهْفَةُ لِلْدُوبَامِينِ
قبل مئات آلاف السنين و أكثر وجد الإنسان كائن مكرم بالعقل روحه مزيج من المغامرة ، التحدي و الرغبة في العيش . فكان أول ما يفكر فيه في كل صباح هو النجاة و ذلك بالبحث عن مأوى ، الغذاء و التكاثر . غير أن هذه الغرائز لن يستمر نبضها في دماغه إن لم يكن هناك حافز و أكبر حافز للإنسان هو المكافأة . لهذا وجد الدوبامين
ماهو الدوبامين :
هو عبارة عن أمين حيوي ناقل عصبي يتصنع من الأحماض الأمينية و يفرز من الدماغ في الجهاز العصبي و هو مسؤول عن الحركة الدفاعية و كذلك المزاج .
يلعب إنخفاضه و إرتفاعه دور مهم في مزاج الإنسان و كذلك تحفيزه .
عندما كان الدوبامين نادرا ...
في العصور القديمة عندما اعتمد الإنسان على الهروب للعيش كان الدوبامين يفرز في حالات إصطياد فريسة ، العثور على مؤوى ، خوض معارك مع حيوانات مفترسة تشكيل مجموعات و الأهم الوصول إلى نهاية اليوم على قيد الحياة . إلا أنه كان دوبامينا فاخرا فخما لا يمكن الوصول إليه بسهولة غير أنه كان كالعسل تبقى حلاوته في الفم حتى بعد بلعه.
دوبامين عصرنا الآن ...
أصبح من السهل في عصرنا الحصول عليه و قانون الحياة هو أن كل ما كان سهلا الحصول عليه كان رخيصا ، فأصبحنا نستيقظ من السرير على هواتفنا نتجرع الدوبامين دلوا بعد دلو ... لكن هل هذا الدوبامين جيد ؟ . قطعا لا فالسكر ليس كالعسل يحرق بسرعة ولا تدوم حلاوته ، و فوق هذا ستحصل على تسوس هكذا هو الدوبامين الرخيص جرعات سامة من هذه المادة تهدم كيانك و تخنق إنتاجيتك . فأنت لم تعد مجبرا على الركض خلف نعامة للحصول على مكافئة بل كل ما عليك هو فتح عينك و تحريك اصبعك و هنيئا ! دوبامينك يتصاعد . لكنه مؤقت جدا ؟... لا بأس يمكنك مشاهدة مقطع ثانٍ و الحصول على جرعة أخرى . و هكذا مرحبا بعفن الدماغ ، يتوارى عن هذا تركيزك فيصعب عليك التركيز على مهمة واحدة ذات مدة طويلة ، قصر الذاكرة : آه أين وضعت هاتفي ! هههه إنه في يدي ، ما إسم تلك الخضار ذات الأوراق الكثيرة؟ أو حتى ما كان إسم زميلي في العمل . يمكن أن يتطور الأمر و يعيق نجاحك فكيف إذن سيصبر هذا الإنسان على قراءة كتابه أو حفظ بعض الملخصات لإجتياز الإمتحانات . لن يتمكن الإنسان هذا من إتخاذ قرارات حياته فهو الآن يعاني من تشتت كبير ناتج مثلا عن إستعمال تطبيقات الذكاء الإصطناعي لأتفه الأسباب أو لطرح أسئلة مباشرة في محركات البحث دون الإعتماد على مصادر كفيديوهات شرح و خطابات أو كتب .
اللهفة للدوبامين التي تسبب تعفنا لدماغك أمر قد يعيق سيرك في طريق مستقيمة نحو مستقبلك. غير أنه يمكنك التخلص من ذلك بصيام الدوبامين و ضبط نفسك ، لأن لذة الدوبامين الفاخر بعد النجاحات القوية التي تحققها في حياتك لا تقران أبدا مع دوبامينٍ رخيصٍ تستمده من فيديوهات تافهة تدفع فيها صحتك النفسية ثمنا . لا تلهف وراء الدوبامين و عش حياتك.

